تحريم إيذاء الجار

 

وأنواع الجيران

عن أبي هريرة رضي الله عنه:

 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 ((لا يدخل الجنةَ مَن لا يأمَن جارُه بوائقَه)).

ورواه البخاري من حديث أبي شريح بلفظ: 

((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن))، 

قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جارُه بوائقَه)).


 



• ترجمة راوي الحديث:

أما أبو هريرة رضي الله عنه فقد تقدمت ترجمته في الحديث الأول من كتاب الإيمان.

وأما أبو شريح الخزاعي الكعبي، فاختلفوا في اسمه فقيل: خويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، أسلم قبل فتح مكة، وكان يحمل ألوية بني كعب بن خزاعة يوم الفتح، وكان من عقلاء الرجال، وكان يقول: من وجد لأبي شريح سمنًا أو لبنًا أو جداية فهو له حل، فليأكله وليشربه، (والجَداية بفتح الجيم، وهو ما بلغ ستة أو سبعة أشهر من الظباء، بمنزلة الجدي من المعز)، وتوفي أبو شريح سنة ثمان وستين - رضي الله عنه وأرضاه؛ [انظر: أسد الغابة (6 /165)].


 


• تخريج الحديث:

الحديث أخرجه مسلم، حديث (46)، وانفرد به عن البخاري، وأما البخاري فروى بنحوه من حديث أبي شريح الخزاعي، في "كتاب الأدب" "باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه" حديث (6016).


 



• شرح ألفاظ الحديث:

(بوائقه): البوائق جمع بائقة، وهي الداهية، والشيء المهلك والشديد، والمقصود أنه لا يأمن ظلمه وتعديه

(لا يؤمن): المقصود به الإيمان الكامل، وسيأتي في الفوائد أقوال أخرى، (لا يؤمن) و(لا يأمن) جناس، الأول من الإيمان، والثاني من الأمان.


 


• من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى:

الحديث دليل على تعظيم حق الجار؛ حيث أفاد نفي دخول الجنة، والإيمان كذلك، لِمَن لا يأمن جاره بوائقه.

واختلف أهل العلم في المقدار الذي يصدق عليه مسمى الجوار، ويثبت لصاحبه حق الجار:

فقيل: إلى حد أربعين دارًا، وهذا مروي عن الأوزاعي والحسن البصري - رحمهما الله تعالى

وقيل: من سمع إقامة الصلاة

وقيل: من سمع النداء، وقيل غير ذلك.

والأظهر - والله أعلم - أن يقال: لم يثبت في الشرع ما يدل على حد الجوار؛ فالمرجع في ذلك عُرْف الناس، فما عدوه جوارًا، فإنه يثبت له حق الجوار.

والجيران على أنواع:

1: جار مسلم قريب، فهذا له ثلاثة حقوق: حق الجوار والإسلام والقرابة.

2: جار مسلم دون قرابة، فهذا له حقان: حق الجوار والإسلام.

3: جار كافر قريب، فهذا له حقان: حق الجوار وحق القرابة.

4: جار كافر دون قرابة، فهذا له حق الجوار.

النصوص في حق الجار كثيرة:

فلقد أمَر الله تعالى بالإحسان إلى الجار، فقال تعالى:

 ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ [النساء: 36]؛

 أي: الجار ذي القرابة، والجار الذي ليس بقريب.

وفي السنة نصوص كثيرة:

منها حديثا الباب، ففيهما دلالة على أن أذية الجار كبيرة من كبائر الذنوب؛ حيث رتب النبي صلى الله عليه وسلم وعيدًا، وهو نفي دخول الجنة، وكذلك نفي الإيمان.

ومنها حديث أبي هريرة القادم؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذِ جارَه))، وفي الرواية الأخرى: الحث على إكـرام الجار، فقال: ((ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكرِم جاره))

والجار وصية جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيحين من حديث عائشة مرفوعًا: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه))

وللجار حقوق، منها:

رد السلام، وإجابة الدعوة، وكف الأذى، والإحسان إليه، وتحمُّل أذاه، وتفقُّده، وقضاء حوائجه، وستره، وصيانة عِرضه، وسيأتي حديث ابن مسعود المتفق عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الذنب أعظم؟ فذكر أمورًا، منها: ((أن تُزانيَ حليلةَ جارك))؛ أي: زوجة جارك.


الفائدة الثانية:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيه نفي دخول الجنة لِمَن لم يأمن جاره بوائقه، واختلف في معنى هذا النفي:

فقيل: إنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بالتحريم.

وقيل: إن المقصود أنه لا يدخل الجنةَ مع أول الداخلين، وإنما يؤخَّر حتى يجازى.



الفائدة الثالثة:

حديث أبي شريح فيه نفي الإيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه، واختلف في معنى هذا النفي، ونفي الإيمان كثير الورود في النصوص، ويحمل على إحدى ثلاث مراتب:

الأولى: نفي لأصل الإيمان؛ لانتفاء بعض أركانه.

مثاله: قال الله تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

الثانية: نفي لكمال الإيمان الواجب؛ لانتفاء بعض واجباته.

مثاله: حديث الباب ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن))، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جارُه بوائقَه)).

الثالثة: نفي لكمال الإيمان المستحب؛ لانتفاء بعض مستحبَّاته.

مثاله: الحديث السابق: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))؛ فإن هذه المحبة محبة مستحبة، ليست ككفِّ الأذى عن الجار؛ لأن هذه واجبة، والفرق بين المرتبة الثانية والثالثة أنه في الثانية يكون واقعًا في الإثم؛ لتركه واجبًا، وفي الثالثة لا يأثم؛ لأن ما تركه مستحب.


 


مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الإيمان)

0/تعليقات / تعليق